عبد الملك الجويني
137
نهاية المطلب في دراية المذهب
" مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتدت العرب واشرأب النفاق ونزل بأبي ما لو نزل بالجبال الراسيات ، لهاضها " ( 1 ) ولقد كان الذين سُموا أهلَ الردة قسمين : قسم كفروا بالله عز وجل بعد إيمانهم ، مثل طليحة ، والعنسي ، ومسيلمة ، وأصحابهم ، وقسم ارتدوا عما لزمهم من حق أداء الزكاة ، والردة لفظة عربية ، وأطلقها المتقدمون على مانعي الزكاة . ثم الذين منعوا الزكاة ما كانوا خارجين عن الإيمان ، وقاتلهم أبو بكر ، والمناظرة التي جرت بينه وبين عمر رضي الله عنهما مشهورة ، إذ قال عمر : كيف تقاتل أقواماً يقولون : لا إله إلا الله ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم " فقال أبو بكر : " أليس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إلا بحقها " والزكاة من حقها ، والله لا أفرق بين ما جمع الله ، قال الله تعالى : { وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ } والله لو منعوني عقالاً وفي بعض الروايات عَناقاً مما أدوا إلى رسول الله ، لقاتلتهم عليه " ( 2 ) . ثم استدَّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأي أبي بكر ، وتبين أنه قاتلهم ، وهم مؤمنون ، وقال بعض من وقع في الأسر منهم : والله ما كفرنا بعد إيماننا ، ولكن شححنا على أموالنا ، وأشعارهم وأراجيزهم في هذه المعاني ( 3 ) . وكان يقول بعضهم : أدينا الزكاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت ( 4 ) صلاته سكناً لنا ، وليست صلاة غيره سكناً لنا .
--> ( 1 ) حديث عائشة " مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتدت العرب . . . " رواه البيهقي في الكبرى ( 8 / 200 ) وذكره الشافعي في الأم مختصراً ( 6 / 166 ) . ( 2 ) حديث مناظرة أبي بكر وعمر في قتال مانعي الزكاة ، متفق عليه من حديث أبي هريرة . ( البخاري : الإيمان ، باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة ، ح 25 ، والزكاة ، باب وجوب الزكاة ، ح 1399 ، 1400 . مسلم : الإيمان ، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، ح 20 ، 21 ) . ( 3 ) ر . المختصر : 5 / 157 ، فقد روى الشافعي رضي الله عنه هذه العبارات ، مع شيء من أشعارهم . منها على سبيل المثال : أطعنا رسول الله ما كان بيننا . . . فيا عجباً ما بال ملك أبي بكر ( 4 ) ت 4 : " لأن صلاته " .